سياسية - أدبية - ثقافية - فكرية

أخبار الموقع

النقد الأدبي ونعمة التذوّق ... بقلم : عطية مسوح



 النقد الأدبي ونعمة التذوّق
 بقلم :عطية مسوح
 28/5/2016



آ – يكلّفنـي عمّـي ثمانيــن ناقة     وما ليَ، والرحمنِ، غيرُ ثمانِ

ما إن قرأت هذا البيت منذ عشرات السنين، حتى بدأت البحث عن قصيدة صاحبه عروة بن حزام، العاشق العربي المعروف، وكنت قد اطّلعتُ على حكايته مع ابنة عمه عفراء، من قصيدة بشارة الخوري الشهيرة (عروة وعفراء). منذ ذلك الحين وأنا معجب بهذا البيت الذي قد يراه الكثيرون بيتاً عادياً. ولكم تساءلت عن سبب إعجابي به، فهو يخلو من الصورة الشعرية، والمعنى العميق، بل إن ألفاظه هي من النوع غير المؤهّل لحمل شحنة شعورية أو طاقة إيحائية.

إنه بيت بسيط لكنّ كل حرف من حروفه يقطر دمعاً. بيتٌ يبكي نيابة عن صاحبه. هذا الدمع الذي يندّي الحرف، يكاد يندّي جفونك وهي تجوس بين الحروف، بل يوشك أن يضرّج أصابعك بالدم، فالحرف الباكي ليس أقلّ من جرح نازف، وفقرُ الشاعر وجشعُ عمّه ليسا أرحم من مِدْيةٍ تُدمي الحبّ. قد لا يستطيع من وُلد وفي فمه ملعقةٌ من ذهب أن يتجرّع رشفة من علقم هذا البيت، لكن الشاعر جعله يشارك من في فمه ملعقة من خشب إحساسه - على الأقل - بصدق هذا البيت.

       أذكر أن بعض دارسي الشعر ومدرّسيه، أبدوا إعجابهم ببيتين من أبيات قصيدة عروة هذه، هما:

هوى ناقتي خلفي وقدّاميَ الهوى    وإنّـــــــــــــــي وإيّــــــــــاهـا لمـختـلـفـــــــان

هــــــواي عــــراقي وتثـنـي زمـــــامهـا    لبـــرق إذا لاح العشـــــيَّ يمــــــــــاني

ولا أخفي عنكم أنني لا أجد في هذين البيتين – وهما أجلُّ معنى وصورة وسبكاً من البيت الذي ذكرتُه – ما يشدّني، بل أجرؤ على القول إنني أرى فيهما من التكلّف والاصطناع، ومن البرودة بالتالي، أكثر مما فيهما من التوقّد الوجداني والإحساس الصادق.

كثيرة هي الأبيات والقصائد التي أعجبتني برغم فقرها بالصور، وأذكر على سبيل المثال قصيدة المعتمد بن عبّاد: لمّا تماسكت الدموع وتنبّه القلب الصديع

       وما منبع الإعجاب هنا سوى الصدق في تصوير شعور إنساني، شعور التحدّي المتاخم للجنون.

يرى معظم النقّاد أن المبالغة المفرطة تفسد الشعر. وقد يكون ذلك صحيحاً في كثير من الحالات، ولكنه لا يصلح مقياساً، اسمع قول المجنون العامري:

لقد فُضِّلت ليلى على الناس مثلما على ألـف شهر فُضّلت ليلة القدر



هذه مبالغة، وقد تكون مفرطة برأيي ورأيك.. ولكنّ النظر إليها من جانب شعور الشاعر يبدّد إحساسنا بالمبالغة، فالشاعر- حقّاً - يرى حبيبته أفضل الناس، وقد أسعفته فطنتُه فالتقط جزءاً من الآية الكريمة ووظّفه لتسويغ شعوره هذا لنفسه وللناس الذين فضّل حبيبته عليهم. الصنعة هنا لم تناقض الشعور، فلم تُفسد جمال البيت. بينما ناقضت الصنعةُ الشعورَ وأفسدت المعنى فأخرجت المبالغةُ القولَ من فضاء الشعر، في قصيدة الشاعر القروي عن الثورة السورية، حين قال في مدح قائد الثورة سلطان الأطرش:

خَفَفْتَ لنجدة العــــاني سريـــــعــــا     غضــــــوباً لو رآك الليث ريـــــعــا

وحولك من بني معروف جمعٌ       بهـــم وبدونهــم تُفنــي الجمـــوعا

فالمبالغة في مدح الأطرش، الذي يُخيف غضبُه الليثَ في البيت الأول، وصلت بالشاعر في البيت الثاني، ومن حيث لا يدري، إلى هجاء بني معروف كلهم، بل هجاء أبطال الثورة جميعاً، حين سلب منهم أي دور في إنزال الهزيمة بالعدو، فسلطان كان يستطيع ذلك سواء أشاركوه أم لم يشاركوه!

       وكان النقّاد العرب القدامى يرون أن مطابقة مقتضى الحال - كما سمَّوه – عنصرٌ من عناصر جمال الشعر. وتتهافت صدقية رأي النقّاد هذا، وتبطل صلاحية هذا العنصر، حين نلاحظ كيف طبقوه. قال الكثيرون منهم مثلاً إن مطلع يائية المتنبي مطلع قبيح، لأنه غير مناسب لافتتاح قصيدة في مدح ملك، أي لمخالفته مقتضى الحال، والمطلع المقصود، وأحسِبُه من عيون الشعر، هو:

كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا   وحسب المنــــايـــــا أن يكــــــنّ أمــــــانيـا

ما أريد قوله هو أن محاولات النقّاد القدامى وضعَ مقاييس لجمال الشعر وقوانين نقدية لتقويمه والحكم عليه، لم تؤكد نجاحها من خلال تطبيق ما وصلوا إليه على الإبداعات الشعرية. ولم تُلغِ اختلاف الباحثين وقراء الشعر في تقويم ما يبحثون فيه أو يقرؤونه، كما أنها، وغيرَها من محاولات النقّاد عبر الأجيال، وحتى يومنا، لم توصل إلى قواسم نقدية نظرية مشتركة.

ولكن، ما العيب في ذلك؟ ألم يكن سبباً في غنى النقد وتنوّع القراءات؟ وما الباعث إلى ذلك؟ أليس الباعثُ اختلافَ الذائقة (سأستخدم كلمة ذائقة بمعنى ملَكَة التذوّق برغم عدم صواب ذلك لغويّاً) بين قارئ وقارئ، وباحث وباحث؟ بل بين ناقد وناقد؟ بل بين ناقدين يستلهمان منهجاً واحداً؟ يقول الناقد خلدون الشمعة في كتابه "الشمس والعنقاء":

"فالمنهج الواحد سُرعان ما يؤدي بناقدين يجوسان أرضاً واحدة إلى نتيجتين متباينتين."



ب - يحيلنا هذا التمهيد إلى موضوع بحثنا: النقد الأدبي بين العلم والتذوّق.

وهو موضوع قديم جديد، تناوله النقّاد والمنظّرون العرب في العصر الحديث وصرفوا إليه الكثير من اهتمامهم، ودبّجوا فيه عشرات الكتب ومئات المقالات، وأداروا حوله المناظرات والحوارات، ولكن دون أن يصلوا إلى توافق أو ما يشبه التوافق. ولعلّ هذا هو الأمر الطبيعي، فالأدب بعامة، والشعر بخاصة، عمل إبداعي، والإبداع لا يُقونن بقوانين صارمة، ولا تُحدّده النظريات، بل إن أعظم الأعمال الأدبية هي تلك التي تجاوزت حدود الإنجازات النقدية السابقة لها، ودفعت النقّاد إلى السعي لاستنباط أفكار نقدية جديدة، لا يلبث الإبداع أن يتجاوزها.

لكنّ كتابات النقّاد والمنظِّرين حول هذا الموضوع لم تذهب جفاء، بل كانت عاملاً هامّاً من عوامل تطور الفكر النقدي والوعي الأدبي، وتنمية الذائقة الأدبية ذاتها. وإذا كان بعض النقّاد والمنظّرين، وأبرزهم محمد مندور، قد عدّ الذوق أساساً للنقد، فإنّ بعضهم الآخر، وأبرزهم زكي نجيب محمود، عدّ العلم هو الأساس، وشكّ بصواب الأحكام النقدية النابعة من الذوق، أو التي يحظى الذوق فيها بدور كبير. غير أنّ عدداً من الأدباء الذين تطرّقوا إلى هذا الموضوع كان لهم موقف ثالث، عبّر عنه توفيق الحكيم بدعوة الناقد إلى الجمع بين ما سمّاه (المذهب الشخصي) أي القائم على الذوق و (المذهب الموضوعي) أي القائم على الأصول والمقاييس. ولعلّ من المفيد لي أن أطرح أمامكم حجّتَي توفيق الحكيم في طعنه بالاحتكام إلى المقاييس، أي العلم، وطعنه بالاحتكام إلى الذوق. يقول في كتابه "فن الأدب"، في فصل عنوانه "النقد الذي يفسّر":

       "الجمال في الفن كالجمال في المرأة. كيلوباترا، على الرغم من أنفها غير الدقيق، آية خالدة في تاريخ الجنس الِنسْوي! وكم من نساء نبصرهنّ كل يوم لهنّ من الأنوف الدقيقة والعيون النجل والخصور النحيلة ما لم تظفر كيلوباترا بالقليل منه، وبرغم هذا لا نراهنّ رائعات ولا فاتنات. ما السرُّ في أنّ امرأة قد استكملت شروط الحسن وليست بحسناء، وأخرى شابتها عيوبٌ، وهي السحرُ والفتنة؟ في المرأة وفي الفن، هنالك شيء لا ندري ما هو، يخرج على كل قاعدة ويهزأ بكل أصل، هو الذي يجعل الجميل جميلاً."

هكذا يطعن الحكيم بالقواعد والأصول التي يزدريها الفن ولا يكترث لها، ولكنه لا يلبث أن يطعن بالذوق ويشكّ بجدوى الرّكون إليه في إصدار الأحكام النقدية. يقول:

"ولكن ما هو الذوق؟ لو عرّفناه وحدّدناه لأصبح هو الآخر أصلاً من الأصول، ومقياساً ثابتاً جامداً يتحطّم عند أول اختبار."

ثمّ يقول:

"ليس للذوق الشخصي ضابط، وإذا تُرك الحكم في الآثار الفنية والأدبية للذوق وحده فقد تُرك للفوضى أو للمصادفة."

       وهكذا يضعنا الحكيم في مأزق لا يلبث أن يُخرجنا منه بقوله:  

"ولعلّ خير منهج للناقد أن يجمع في نقده بين شتى الاعتبارات، ويؤلف بين مختلف النظرات."

ومثل هذا المخرج، يصل إليه الناقد محمد مندور، وهو الذي يعدّ الذوق أساس النقد ومصدرَ أحكامه، وظلّ كذلك حتى بعد تبنّيه منهج الواقعية الجديدة، فيقول موفّقاً بين الذوق والعقل: "النقد المنهجي لا يكون إلا لرجل نما تفكيره فاستطاع أن يُخضع ذوقه لنظر العقل."

 وإذا كان هذا الجمع الذي دعا إليه الحكيم والإخضاع الذي دعا إليه مندور أمرين على درجة كبيرة من الصعوبة، ويفترضان توفُّر موهبة خاصة وخبرة كبيرة وثقافة عالية لدى الناقد، فإن داعية علمية النقد، المفكر الكبير زكي نجيب محمود، يذهلنا بالبساطة التي تكاد تكون سذاجة وهو يحاول إقناع القارئ بأن النقد علم. يقول:

"أمّا إذا أصررت على أن تكون ناقداً، فلا مندوحة لك من خطوة بعد قراءة التذوّق، خطوة هي وحدها التي تجعلك ناقداً، وهي أن تسأل نفسك ماذا في هذه القصيدة من العوامل الموضوعية التي أثارت في نفسي هذا الشعور أو ذاك؟ وقد ينتهي بك البحث، مثلاً، إلى أن اختيارَ الشاعرِ البحرَ الطويل جاء موفقاً لأنه يناسب موضوعه فأحدث ما أراد أن يحدثه من أثر في نفس القارئ أو السامع، أو إلى أن كثرة الراءات في هذا البيت جعلته جميلاً، وكثرة السينات والصادات في ذاك.. لكن هذه وأشباهها قواعد عامة، فكأنك تقول: كل بيت يصف خرير الماء وتكثر فيه الراءات فهو جميل في هذا الجانب منه، وكل بيت يصف الحرب بالسيوف وتكثر فيه السينات والصادات فهو جميل كذلك في هذا الجانب منه. أنت هنا لا تنقل إلينا عناصر تجتمع فتكوّنُ موقفاً فريداً لا يتكرر، بل تحدِّثنا عن قواعد عامة تتكرر في كل حالة شبيهة بالحالة التي أنت بصدد تحليلها، وما دمتَ في مجال التعميم فأنت عالم، وإذاً فالنقد علم. ثم يقتضيك المنطق – أي العقل – ألا تناقض ما تقوله في موضع بما تقوله في موضع آخر، فلا تقل مثلاً في موضع ما: إن البحر الطويل يناسب التعبير عن الحزن لأنه بطيء والحزين بطيء الحركات والكلمات ثم تناقض ذلك في موضع آخر وتزعم لنا أن البحر الطويل لا يناسب الحزن."

هكذا، وبهذه البساطة، وبالاتكاء على هذه الأمثلة التي لا علاقة لها بالنقد الجادّ، يريد زكي نجيب محمود أن ينقل النقد الأدبي إلى خانة العلم ويقطع صلته بالذوق. وإذا كانت هذه الرؤية للنقد الأدبي امتداداً لفلسفة زكي نجيب محمود الوضعية المنطقية، وإسقاطاً لها على النقد، فإن هذه الرؤية ذاتها تكشف تهافت الوضعية المنطقية حين تخرج من حقلها العلمي وتدخل حقل الفن والأدب. فجوهرُ الوضعية المنطقية هو إنكارُ الفلسفة بوصفها تفكيراً في الماورائيات أو بحثاً في القضايا الوجودية الكبرى أو غوصاً في المفاهيم الأخلاقية والعلاقات الاجتماعية وقضايا الحق والخير والجمال، وقَصْرُ دورها على تفسير معطيات العلم وتعميم استنتاجاته. وواضح أن مثل هذا التعميم سيكون عقيماً إذا نُقل إلى حقل الأدب والفن. لكن زكي نجيب محمود، المخلص لوضعيته المنطقية، أراد ألاّ يترك مجالاً خارج نطاقها، فأقحمها في مجال النقد الأدبي، فأفسدها وأفسده. ولقد تساءلتُ، وما أزال أتساءل، كيف لهذا المفكّر الذي لقّبه معاصروه وتلاميذه بلقب يستحقّه وهو (أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء) أن يصل إلى هذه الدرجة من التبسيط؟ أيغيب عن ذهنه مثلاً أن البحر الطويل حمل الكثير من خمريات أبي نواس المرحة الصاخبة وغزليات عمر بن أبي ربيعة العابثة كما حمل رثاء مالك بن الريب؟ ألا يرى كيف أضفى حرفا السين والصاد المزيد من الهدوء والرِّقّة على سينية البحتري، بعيداً عن السيوف وصليلها:

صنتُ نفسي عمّا يدنّس نفسي     وترفـّــعــــــتُ عن جـدا كــلّ جِبس

لكأنني أجد قرابة بين تنظير زكي نجيب محمود هذا وما ينحو إليه عدد من نقّادنا المعاصرين، من قصيري الباع في النقد الأدبي، مع احترامي لأشخاصهم، حين لا يأبهون بالذائقة، فيجعلون النص الأدبي مادة للتشريح اللفظي أو المعنوي، وكثيراً ما نرى الناقد منهم يحصي ما في النص من أفعال ماضية وأخرى مضارعة، وما فيه من مصادر ومن كلمات ذات دلالة معينة، أو ضمائر أو غير ذلك، ثم يبني على إحصائياته استنتاجات وأحكاماً نقدية يأتي معظمها مفتعلاً أو أقربَ إلى الافتراضات غير القابلة للبرهان والعاجزة عن إقناع القارئ الذوّاقة المتمرّس بقراءة الأدب.

يتحوّل النص بين يدي ناقد من هذا النوع إلى جثّة يشرّحها، أو إنه يشرّح النص فيصبح جثّة لا روح فيها، وحين تسأله عن روح النص يزعم أن هذا النقد هو وسيلة المعاصرين للوصول إلى روح النص وكشف جمالياته وإرشاد القارئ إليها.



       ج – ما الذي يضيع في مثل هذا النقد؟ يضيع التذوّق الفطريّ المهذّب بالثقافة والممارسة والخبرة.

أوّل صفات التذوّق أنه فطري. أي إنه موجود وجوداً نسبياً لدى الناس جميعاً، فما من إنسان لا يتذوّق الجمال ويستجيب لندائه. وإذا أخذنا النص الأدبي مادة للتذوّق، فسوف نجد أن القرّاء يتفاوتون في تعاملهم مع النصّ وتذوّقه والغوص إلى أعماقه، بدءاً من القارئ العاديّ، إلى القارئ المتمرّس، وصولاً إلى الناقد. فالناقد هو ذلك القارئ الذي يتذوّق النصَّ على نحو أكثر عمقاً وشمولاً مستفيداً من ثقافته الواسعة المتنوعة، ثم يعبّر عن تذوّقه بنصٍّ نقديّ، أي إنه هو القادر على ترجمة تذوقه إلى عبارات، وتحويله من أحاسيس إلى صيغ لغوية تحمل هذه الأحاسيس، وتساعد القارئ على الوصول إلى مزيد من تذوّق النصّ من خلال إطّلاعه على تذوّق الناقد، فذائقة الناقد أكثر تدريباً وتهذيباً.

فالذائقة إذاً هي الأصل في النقد، والتذوّق هو جوهر العملية النقدية، أمّا النص النقدي فهو ظاهر هذه العملية، هو تجلّيها اللغوي، الذي لا بدّ – واستميحكم عذراً لهذا الإطلاق – أن يأتي مقصّراً عنها، نعم، ما من نص نقدي إلاّ هو أقلّ مما تذوقه الناقد، ولعلّي لا أبالغ إذا تصوّرت الناقد الجاد غير راض عن أي نص نقدي يضعه، لأنه يشعر في قرارة نفسه أن أحاسيسه التذوقية السلبية أو الإيجابية هي أعمق من العبارات التي صاغها. أقول: الأحاسيس السلبية، وأقصد بها تذوّق القبح، فتذوّق القبح ليس أقلّ أهمية من تذوّق الجمال، بل إنه الوجه الآخر للتذوق الجمالي، وقول الناقد: هذا قبيح، يعني أنه قاربه نقدياً من خلال صورة مقابلة موجودة في ذهنه، هي صورة الجميل.

هنا، في الصياغة النقدية للتذوّق، يأتي دور العلم، أو العلوم التي يستفيد منها الناقد، من علوم اللغة المختلفة، إلى نظرية الأدب أو نظرياته المختلفة، إلى علم الجمال، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، وغيرها.

أي إن النقد عملية تذوقية، والنص النقدي نص أدبي، والناقد يستفيد من معطيات علمية معينة في تحليل وصوغ الأحاسيس الجمالية التي أثارها النص في نفسه. هكذا تبدو لي علاقة النقد بالعلم. فهما مختلفان طبيعة وغاية، ولكنهما متداخلان تجلّياً في النصوص النقدية. ولقد ذكرت تداخلهما من خلال إفادة الناقد من المعطيات العلمية في تحليل أحاسيسه وصوغها، أمّا اختلافهما فأعرضه في نقاط محدّدة.

1 – النتيجةُ، أو حكمُ القيمة الذي يبغي العمل النقدي الوصول إليه هو: هذا العمل جيّد أو رديء، جميل أو قبيح. أما العمل العلمي فالحكم الذي يبغي الوصول إليه هو: هذا العمل صواب أو غلط.

2 – الأثرُ، أو الحكمُ العملي في العمل النقدي، هو: هذا العمل ممتع أو غير ممتع. أما في العمل العلمي فهو: هذا العمل مفيد أو ضارّ.

 3 – اليقين في العمل النقدي هو يقين أدبي، فني، يقود إليه الشعور. أما في العمل العلمي فهو يقين موضوعي، يقود إليه العقل.

4 – الحقيقة التي يعمل النقد على كشفها في العمل الأدبي، ولاسيما الشعر، هي حقيقة مجازية. أما الحقيقة في العمل العلمي فهي الحقيقة الموضوعية.

نضيف إلى ذلك كله ثلاث فكر أخرى، تُعزّز في الأذهان مفارقة النقد الأدبي للعلم، أولاها: إذا كان موضوع النقد الأدبي هو الأدب، وهو ليس موضوعاً علمياً، فإن البحث فيه، أي البحث النقدي لن يكون بحثاً علمياً، لأن منهج البحث يجب أن يطابق طبيعة الحقل البحثي. قد يُقال – ردّاً على هذه الفكرة – إن ثمة علوماً تتناول النفس الإنسانية، والمجتمع الإنساني، وما ينطبق على علم النفس وعلم الاجتماع يمكن أن ينطبق على النقد الأدبي. أقول، إن تسمية البحث في النفس والمجتمع علماً – ونحن نستخدم هذه التسمية ونركن إليها – فيها من المجاز والتجاوز أكثر مما فيها من الحقيقة. والدليل على ذلك مثلاً هو التناقض بين النظريات التي وضعها الباحثون في هذين الحقلين، فعلم الاجتماع الوضعي الذي أسّسه أوغست كونت وعلم الاجتماع الماركسي، متناقضان تناقضاً كاملاً في تفسير العلاقات والظاهرات والمشكلات في المجتمع، وإنك تجد للقضية الاجتماعية الواحدة تفسيراً وضعياً وآخر ماركسياً، واصطفافاً للباحثين والمفكرين والناس حول كل تفسير، فتعرف أنك لستَ أمام علم بل أمام أفكار تعبر عن مصالح وإرادات، ومن خصائص العلم ألاّ يأبه بالمصالح والإرادات.

والفكرة الثانية: إن العلم يدرس الظاهرات الجديدة على أساس قوانين مستخلصة من ظاهرات قديمة تكررت فدرسها العلماء واكتشفوا قوانينها، وكان ذلك ممكناً ولا يزال، لأن الظاهرات الطبيعية تتكرّر، أما الأدب، فهو عملية ذاتية، والنص الأدبي يكتسب أهميته من تفرُّده، وحتى حين يصوّر ظاهرة اجتماعية أو حالة عامة، فهو يصوّرها من خلال إحساس الأديب الفردي ورؤيته الخاصة، وإذا لم يكن كذلك، أي إذا فقد تفرّده، خرج من دائرة الأدب. لذلك فإن كل نص أدبي جديد هو حالة خاصة لا يمكن أن تُدرس ويحكم عليها وفق أصول ومقاييس مستنبطة من دراسة نصوص قديمة. وإذا حدث ذلك، ووجد الناقد أن من الممكن دراسة نص جديد وفق أصول ومقاييس قديمة، فهذا يعني أن النص لم يتجاوز ما سبقه تجاوزاً إبداعياً حقيقياً، وأن جمالياته هي تكرار لما أنجزه سابقوه بشكل من الأشكال. وأنا لا أنفي هنا جمال هذه النصوص التي لا تحمل جماليات جديدة غير مسبوقة، فما من شاعر يبتكر في كل قصيدة من قصائده، وكثيراً ما قال النقّاد إن لكل شاعر مبدع مُكثر قصائدَ قليلة، أو مقاطع من قصائد تحمل الجديد، هي التي جعلته شاعراً كبيراً وخالداً. ولقد أدرك القدماء من نقادنا وشعرائنا هذا الأمر، واعترفوا بأن الرديء موجود في شعر كل شاعر كبير، وعبّروا عن إدراكهم هذا بعبارات من نوع: جيّد أبي تمام خير من جيّد البحتري ورديء البحتري خير من رديء أبي تمام.

والفكرة الثالثة: إنّ جمال الأدب لا يأتي من تصوير المواقف، بل من تصوير المشاعر. فالشاعر مثلاً لا يقدّم لنا موقفه بوصفه فعلاً فقط، بل بوصفه نتاج شعور، إي بوصفه شعوراً متجلياً في موقف. وينطبق هذا على شعور الشاعر، وعلى شعور من يصوّر مواقفهم. وعلى سبيل المثال، سأورد هذا البيت للبحتري، من قصيدة يمدح فيها المتوكّل:

لو أنّ مشتاقاً تكلّف فوق ما في وسعه، لمشى إليك المنبرُ

إن ارتباط الموقف بالشعور هو الذي منح البيت جماله، فمشي المنبر صورة شعرية، تقوم على تشخيص المنبر، لكنّ مشي المنبر، على ما فيه من حركة، لا روح فيه، لأنه يخلو من الشعور، ولولا كلمة (مشتاقاً) في الشطر الأول، أي لولا ربط الشاعر الصورة بالشعور لجاء البيت جميل الصورة فاقد الروح. لذلك أعدُّ كلمة (مشتاقاً) البؤرةَ الجماليةَ في هذا البيت.

د - ولكن، لِمَ يلتبس الأمر هكذا عند بعض النقّاد والمنظرين؟ أظنّ أنّ السبب الأساسي لذلك هو الخلط بين النقد الأدبي والدراسة الأدبية ونظرية الأدب. وهذه ثلاثة جوانب لحقل واحد واسع هو حقل البحث الأدبي. وإذا كان النقد الأدبي هو كشفُ نواحي الجمال والقبح في النص وترجمة الأحاسيس والمشاعر التي أثارها في النفس إلى عبارات، وتقويمُه وتحديدُ مستواه الجمالي، وجوهر هذه العملية هو التذوّق كما قلنا. فإن نظرية الأدب هي ما يصل إليه الباحثون والمنظِّرون في ما يخصّ وظيفة الأدب الإنسانية والاجتماعية، وعلاقتَه بالواقع، وتفاعلَ الشكل والمضمون، والعلاقة بين الإحساس الجمالي والقيم الجمالية، وعلاقة القيم الجمالية بالواقع، وتطوّرَ هذه القيم عبر التاريخ، ودورَ الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في تطورها، وعلاقة اللغة بالواقع، وتطورَ اللغة مواكبة للتطور الثقافي والاجتماعي، وغير ذلك.. هذا كلّه يدخل في إطار نظرية الأدب. والبحث فيه هو بحث فلسفي، أو - على الأقل - يحمل الكثير من سمات الفلسفة والقليل من سمات العلم. أما الدراسة الأدبية فهي الجانب الأقرب إلى العلم في البحث الأدبي. فدراسة حقبة أدبية معينة، أو ظاهرة أدبية عبر الحقب، أو تطورِ موضوع أدبي بين عصر وعصر، أو دراسةُ حياة أديب معيّن وأدبه وما إلى ذلك من موضوعات تتعلّق بتاريخ الأدب، هي دراسة لها قواعدها العلمية، وأهمها طرقُ التعامل مع الوثائق بدءاً من تحديد مفهوم الوثيقة، ومدى صلاحيتها، وتحديدِ مصادر المعلومات والوصولِ إلى درجة صدقها، والمقارنةِ بين المعطيات المختلفة التي قد تقدّمها هذه المصادر، وتحليلِ المعلومات وفق منهج يختاره الباحث ويلتزم به، أو استناداً إلى ما يفيده من مناهج مختلفة دون الوقوع في التخبط المنهجي، وما إلى ذلك من قواعد البحث العلمي. وواضح ما لهذه الدراسة من طبيعة علمية لا يجوز التفريط بها أو التجرّؤ عليها بحجة اختلاف الأذواق.

       والناقد الجاد محكوم بأن يكون على دراية كافية بنظرية الأدب، فهذه الدراية هي عنصر لازم من عناصر ثقافته وجزء لا غنى عنه من رصيده الفعّال في تهذيب ذائقته. ولعلّ دراية الناقد بنظرية الأدب هي التي تصل النقد بالفلسفة، وكم في هذا الوصل من فائدة للنقد سواء أكان أدبياً أم فكرياً! إن الناقد المستند إلى قاعدة فلسفية يكون أكثر قدرة على الغوص في أعماق النصوص الأدبية لكشف جمالياتها، وفي أعماق النفس لفهم مشاعرها، كما يكون أكثر قدرة على التأثير في ذوق القارئ. أمّا العامل في حقل الدراسة الأدبية، فقد يمتلك ذائقة جيّدة وقد لا يمتلك، وقد تكون قدرته على اكتشاف جماليات النّصّ الأدبي والإحساس بها كبيرة أو صغيرة، وقد يُلِمّ بالقيم الجمالية وعلاقتها بالواقع أو لا يُلِمّ، وقد يحمل رأياً جمالياً ذا أهمية أو لا يحمل، ومع ذلك، قد يكون دارساً جيّداً. ولعلّ بعض النماذج من كبار الباحثين ودارسي الأدب ومؤرّخيه في العصر الحديث تؤكّد لنا ذلك، فشوقي ضيف باحث أدبي أكاديمي لا يُضاهى في دقّة البحث، وسعة الاطلاع، وغزارة الإنتاج، وحُسن الاستنتاج، وتُشكّل مؤلفاته المختلفة، ولا سيما المتعلّقة بتاريخ الأدب العربي، إنجازات هامة، تُقدّم أجلّ خدمة للباحثين والدارسين والأساتذة والطلاّب، ولكنه – على ما يبدو – لا يمتلك ذائقة تؤهله لممارسة النقد الأدبي، فيكون أضعفَ ما يكون حين يقارب النقد أو يحاوله، لذلك لا يُصنّف مع النقّاد. ولقد سمعت من بعض طلابه – ولا أظنّهم يبالغون – أنه لم يكن يُجيد قراءة الشعر، وكثيراً ما كان وزن البيت يختلّ على لسانه دون أن يشعر.

وهذا الأمر لا يضير شوقي ضيف، ولا يؤثّر على مكانته المرموقة في مجال الدراسة الأدبية والتأريخ الأدبي، ولا يقلّل على الإطلاق من شأن مؤلفاته التي أصبحت مراجع يطمئنّ إليها الباحثون والدارسون.

هكذا، ألخّص فأقول، على وجه التقريب لا على وجه الإطلاق: إنّ النقد عمل تذوّقيّ، والدراسة الأدبية عمل علمي، والبحثَ في نظرية الأدب عمل فلسفي. وأقصد بقولي (لا على وجه الإطلاق) شيئين، الأوّل هو أن استقلال كل فرع من الفروع المذكورة عن سواه ليس استقلالاً تامّاً بل هو نسبي، والثاني هو أن العامل في الحقل الأدبي قد لا يقصرُ نشاطَه على فرع واحد، وقد يمتدّ إلى الفرعين الآخرين أو أحدهما، بل من المرجّح أن يتضمّن البحث الأدبي بعض اللمحات النقدية، كما يتضمن النقد الأدبي الجاد بالضرورة أفكاراً ومعالجات تدخل في إطار نظرية الأدب. ولعل كتابَ (ابن الرومي حياته من شعره) لعباس محمود العقاد مثالٌ على الجمع بين البحث الأدبي والنقد الأدبي في عمل واحد. كما يمكن أن نجد الجمع بين النقد الأدبي ونظرية الأدب في بعض الكتب النقدية ككتاب (الشمس والعنقاء) لخلدون الشمعة.



ه – ولكن، ما لنا لا نتحدّث إلاّ عن القديم، أو عن حديثِ ما قبل الحداثة!؟

ها هي ذي الحداثة تفرض جمالياتها منذ أن ظهر شعر التفعيلة، ومنذ أن بدأت الأشكال الجديدة تُكرّس حضورها في القصة والرواية والمسرحية، ومنذ أن انتشرت قصيدة النثر واحتلت مكانتها على الساحة الشعرية العربية. فلِمَ نظلّ ندور في فلك النقد العربي القديم؟ أو نقد الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن العشرين؟ هكذا قد يُردّ علينا، وعلى ادّعائنا بأن التذوّق هو جوهر العملية النقدية. وقد يقول متابعو نهج زكي نجيب محمود إن المناهج النقدية الحديثة التي أرست الطابع العلمي للنقد الأدبي ولدت مع ولادة الحداثة، وأسهمت في نشر قيمها، فهي تحظى بشرعية تاريخية مستمدّة من شرعية الحداثة الأدبية ذاتها، وهذا ما لا تحظى به المناهج النقدية القائمة على التذوّق. نعم، هنالك من يقول ذلك متّخذاً من البنيوية والتفكيكية والأسلوبية وغيرها من المناهج الحديثة التي استعارها العاملون في النقد الأدبي من الفلسفة حجّة لإثبات علمية النقد.

       غير أنّ لنا ثلاث حجج نواجه بها هذا الردّ:

الأولى: إنّ الحداثة الأدبية، بطبيعتها، هي تمرّد على القواعد والقوانين والأصول، وجوهرها تخفيف وطأة القيود التي قد تلجمُ الإبداع وتحدُّ من حرية المبدع. أليس الأمر كذلك حين نتحدّث عن شعر التفعيلة أو قصيدة النثر أو عن كسر التسلسل الزماني وتجاوز السببية والمنطق التقليدي في القصة والرواية؟ ولقد أكّد الناقد والباحث في علم الجمال الدكتور سعد الدين كليب أنّ الحرية هي الجوهر في جماليات الحداثة.

والحجة الثانية: إن النقّاد الذين درجوا على استلهام القيم الأدبية القديمة، وتدرّبت ذائقتهم على تلمّس الجمال في الإيقاع الشعري القديم والصورة البلاغية القائمة على التشبيه وتفرّعاته، وقفوا – أو وقف معظمهم – في وجه الحداثة، ويكفي – على سبيل المثال – أن نذكر موقف ناقد ذوّاقة كبير هو مارون عبود من شعر التفعيلة. أما الذين وضعوا كتابات نقدية تدافع عن قصيدة التفعيلة وتُنظّر لها في مرحلة ظهورها أو بعد ذلك بقليل فأكثرهم من الشعراء المؤسسين أو الأوائل في شعر التفعيلة، مثل نازك الملائكة وسلمى الخضراء الجيوسي.

والحجة الثالثة: إذا كانت الحداثة سلسلة لا تنقطع، ومسيرة لا تتوقف، فكيف يمكن أن تتحدّد المقاربات النقديّة المواكبة لها بقواعد وأصول؟ ومن يستطيع أن يضع قاعدة لما سيأتي؟ وهل يمكن دراسة شعر محمود درويش وأدونيس وجوزيف حرب وشوقي بزيع وممدوح السكاف وصقر عليشي ونزيه أبو عفش وسعد الدين كليب وعبد الكريم الناعم وعلاء الدين عبد المولى وغيرهم على أساسٍ من القواعد النقدية التي وضعها المنظّرون والنقّاد وهم يدرسون شعر شعراء التفعيلة الأوائل؟ ألا نحتاج إلى رؤى نقدية جديدة ونحن ندرس ديوان (كتاب الحب) لنزار قباني؟ هل تُسعفنا الأفكار والمقاييس النقدية التي أراد لها واضعوها أن تكون معيارية في تلمّس الجمال في هذا المقطع لـ صلاح عبد الصبور (وهو مقطع كتبه الشاعر الراحل بعد رحيله بعشرات السنين، كتبه اليوم أو غداً) ؟ يقول:

 هذا زمن الحق الضائع

 لا يعرف فيه مقتول من قاتله ومتى قتله

 ورؤوس الناس على جثث الحيوانات

 ورؤوس الحيوانات على جثث الناس

 فتحسّس رأسك

إن الأدب، قديمه وحديثه، وفي كل زمان ومكان، هو شكل ومضمون، وعلاقة بينهما. والنقد يتناول الأدب بثلاثة مكوّناته هذه، وما يتناول المضمون من عمل الناقد يقوم على الآيديولوجيا، وما يتناول العلاقة بين الشكل والمضمون يقوم على الفلسفة، وما يتناول الشكل يقوم على الذائقة. ويستند ذلك كله إلى ثقافة الناقد الأدبية والعامة، وبالتحديد إلى معرفته بالعلوم الإنسانية. وكما أنّ العمل الأدبي واحد في شكله ومضمونه، كذلك ينبغي أن يكون العمل النقدي واحداً في تناول الشكل والمضمون والعلاقة بينهما.



و – قلنا في فقرة سابقة إنّ التذوّق فطري ونسبي.

فطري، بمعنى أنه موجود لدى الناس جميعاً، ونسبي، بمعنى أنه يتفاوت بين شخص وآخر. وهذا يعني أنه يتجلّى بأعلى درجاته وصوره لدى النقّاد. وذائقة النقّاد ليست فطرية فقط، بل هي مهذبة ومثقفة. إنها موهبة خاصة أوّلاً، مثلها مثل موهبة الشعر أو الصوت أو السرد أو الرسم، وهي موهبة مرفوعة على رافعتي الخبرة والثقافة ثانياً. الموهبة والثقافة والخبرة هي إذن عناصر النقد. ومن خلال التفاوت بين الذائقة الفطرية في مستوياتها المختلفة وذائقة الناقد، يتحدّد موضوع النقد وأهم وظائفه. فإذا كان النصّ الأدبي هو مادة النقد، فإن ذائقة الناس الفطرية هي موضوع النقد، إليها تتجه جهود النقّاد للتأثير فيها ورفع مستواها، وفي هذا المجال تتجلّى أولى وظائف النقد.



 من هنا يأتي سؤال الأسئلة إذا صحّ التعبير، وهو: ما هو مفتاح الدخول إلى ذائقة القارئ؟ أمّا الجواب عندي فهو: أن يضع الناقد يده، ثمّ يدَ القارئ على ما يمكن اعتباره بؤرة الجمال أو بؤرة القبح في المادة التي ينقدها. ثم تأتي المفردات أو التفاصيل النقدية الأخرى، وتأتي معها التفرّعات الجمالية المنبثقة من البؤرة أو المكملة لها.

وسنحاول جلاء ذلك من خلال بعض الأمثلة، علماً بأن البؤرة الجمالية لا تكون واضحة في كل بيت أو مقطع وضوحها في الأمثلة التي اخترتُها، وقد يتطلّب كشفها من الناقد جهداً ومهارة.

1 – من قصيدة أحمد شوقي ذات المطلع الجميل:

              رمضان ولّى هـــــاتها يا ســـاقي      مشتـــاقة تسعــى إلــــى مشتــاق

لطالما أعجبني بيت:

هاتِ اسقنيها غيرَ ذات عواقبٍ     حتى نُــــراع لصيحة الصفّـــــــاق

يريد الشاعر أن يشرب الخمرة مع ندمائه حتى صياح الديك، وهذا معنى لا جديد فيه ولا جمال، ولعلّ كلمة: الصفّاق أقلّ عذوبة وجمالاً من كلمة: الديك. فما مصدر جمال البيت إذن؟ إنه تلك الكلمة التي تكشف حال النفس، وتنبئ القارئ بالشعور، بالوخزة الشعورية التي أصابت فتية مستغرقين في السكر مسترسلين في النشوة استرسالاً يرفض كل تنبيه خارجي يوحي بانقطاعها. فهذا الصفّاق يؤذن ببداية النهار، وفي النهار الصلاة والعمل لا الخمرة وما تتركه في النفس من نشوة الكسل، إنها كلمة (نُراع)، التي نهضت بكل تلك الحمولة النفسية والوجدانية، وعبّرت عن الوخزة الشعورية التي طعّمت اللذة بالألم. كلمة: نُراع هي بؤرة الجمال المشعّة في هذا البيت، ولا يمكن – باعتقادي – فهم جمالية هذا البيت إلاّ بها.

يأتي بعد هذا البيت بيتٌ لا جمال فيه، لأنه مجرّد صياغة فيها مهارة حرفية عالية المستوى، لكنه بيت باهت لا علاقة له بالنفس والشعور، وهو:

صرفاً مسلّــطة الشعـــاع كأنما       من وجنتيـــــك تُدار والأحـــداق

2 – غير أنّ موهبة شوقي الأصيلة لا تلبث أن تعود للتعبير عن ذاتها في البيت الذي يلي هذا البيت الباهت، يقول:

حمــراء أو صفراء إنّ كريمها        كالغيــد،  كــلّ مليــحة بمـــذاق

       ولا يخفى أن جمال هذا البيت لا يأتي من شطره الأوّل، فتشبيه الخمرة بالمرأة، أو العكس، تشبيهٌ معروف ومعنىً أكلته الكلمات حتى فقد كلّ دلالة جمالية. إنّ بؤرة الجمال في هذا البيت هي عبارة: كلّ مليحة بمذاق. لكنّ البؤرة لا تكون بؤرة إلاّ إذا فاض منها الجمال فلوّن البيت أو المقطع بألوانها، فيرى القارئ البيت جميلاً، وهذا ما فعلته عبارة (كلّ مليحة بمذاق) إذ فرَشتْ جمالها على البيت كلّه.

قد يُقال: إنّ هذا المنهج في البحث عن البؤرة الجمالية يصلح، أو قد يصلح في التطبيق على القصائد التقليدية التي تقوم على وحدة البيت، لكنه يعجز عن التعامل مع القصيدة الحديثة التي تقوم على وحدة المقطع أو الوحدة الفنية والموضوعية والشعورية الكاملة. ومع تقديري لوجاهة هذا الرأي، أقول: ما من قصيدة كلّ ما فيها جميل، ولا بدّ أن يجد القارئ ضعفاً في بيت أو مقطع أو عبارة، غير أنّ عدداً من الأبيات أو المقاطع الجميلة قد يرفع القصيدة إلى سدّة الجمال.

3 – منذ سنوات وأنا أحاول وضع يدي على بؤرة الجمال في كلّ ما أقرأ من شعر تقليدي أو حديث، فأجد ضالتي بكلمة تنضح بالإحساس الصادق، أو بعبارة صغيرة تكثّف تجربة إنسانية، أو بلقطة ذهنية ذكية، كما في قول عنترة:

أحبّـك يا ظلــــــــوم وأنت منـّـــــي       مكان الروح من جسد الجبان

ولو أني أقـــول مكــــان روحــي       لخفتُ عليك بـــــــادرةَ الطعـــان

في هذين البيتين من المنطق أكثر مما فيهما من الشعر، ومع ذلك أتلمّس جمالاً خاصّاً بحثتُ عن بؤرته، فوجدتها في كلمة (جبان)، إذ كثيراً ما قال الشعراء وغير الشعراء لحبيباتهم كلاماً مثل: أنت روحي.. لكنّ عنترة لو قال ذلك لفرّط بحبيبته، فروح الفارس الشجاع أرخصُ ما لديه، لذلك جاءت كلمة: جبان، فميّزت النصّ جمالياً.



 4 – أقام نزار قباني عمارة شعرية جديدة في ديوانه (كتاب الحب)، وأفصح في مقدمة ذلك الديوان الصغير الكبير عن رؤية جديدة للشعر تقارب تخوم الفلسفة، إنه يضع أفكاراً جديدة في نظرية الأدب، لا أعرف إن كان طبّقها تطبيقاً في قصائد كتاب الحب أو استنبطها من تلك القصائد، لكنني أميل إلى أنه استنبطها، إذ لا أظن مبدعاً كبيراً بمرتبة نزار يكتب قصائده وفق خطة أو أصول مسبقة الصنع. أساس هذه العمارة هو الإيجاز والتكثيف، فما الذي يتخلص منه نزار كي يصل إلى التكثيف؟ إنه – في أكثر الأحيان يُلغي التفاصيل أو معظمها، ويبقي البؤرة الجمالية فقط، فتصبح القصيدة كلها بؤرة جمالية واحدة. كما في هذه القصيدة:

 حبُّك يا عميقة العينين

 تطرّفٌ تصوّفٌ عبادة

 حبُّك مثل الموت والولادة

 صعبٌ بأن يُعادَ مرتين



5 – أمّا البؤرة الجمالية فهي كلمتان في قصيدة أخرى، يقول:

 أنا عنك ما أخبرتهم.. لكنّهم لمحوك تغتسلين في أحـــــداقي

 أنا عنك ما كلّمتهم... لكنّهم قرؤوك في حبـري وفي أوراقي

 للحب رائـــحــــة،  وليس بوسعها ألاّ تفــــــوح  مــزارع الـــدرّاق

إنّ إفصاح الحب عن نفسه وعدم قدرة العاشق على إخفائه معنى قديم ومتكرّر في الشعر العربي، ويكفي أن نتذكّر بيت المتنبي، وهو ليس الأول في ذلك ولكنه الأجمل:

وإذا خـــامر الهوى قلب صبّ        فعــليـــــه  لكــلّ عيــن  دلــيـــل

وإذا كان نزار قد لوّن هذا المعنى بألوان ريشته، وهو رسامٌ بالكلمات كما نعلم، (تغتسلين في أحداقي – قرؤوك في حبري) فإنّ البؤرة الجمالية التي فاضت فغمرت النص، لا بالنور واللون هذه المرة، بل بالعطر، هي: للحبّ رائحة!



6 – وكيلا نظلّ مع الشعراء الراحلين الخالدين، سأختار أنموذجاً واحداً لشاعر معاصر، سأتلمس البؤرة الجمالية في هذه القصيدة لـ صقر عليشي:

 في ظلّ الأخلاق العالية لأشجار الحور ربينا

 وحفظنا كلّ وصايا الصفصاف وكلّ تعاليم الأعشاب

 تركت نسمات الوادي بصمتها فينا

 ايضاً لم يمض بلا أثر ما مرّ علينا من مطر وضباب

 وأخيراً أتت الأنثى واشتغلت – عافاها الله – كما تشتغل الشمس على الأعناب

لم يأت جمال هذه القصيدة من أنسنة الحور والعشب، ولا من أثر النسمات والمطر والضباب، بل إنّ ذلك كلّه كان له أن يذهب سدىً عند القارئ، كما يذهب سدىً عند الشاعر، لولا ما فعلته الأنثى. البؤرة الجمالية التي شعّت في هذه القصيدة هي: (أتت الأنثى).. وبقوله أتت الأنثى، فتح للقارئ أوسع مجالات التصوّر الخلّاق ليشاركه في الإبداع متخيّلاً الأنثى وهي تُنضج الروح والعقل والوجدان. أمّا عبارة (عافاها الله) فهي ليست مجرّد جملة اعتراضية، وليست حشواً اقتضاه الوزن، بل هي حاملة الموقف، إنها تنضح بالشكر والعرفان بالجميل لفعل الأنثى الحاسم في تكوين شخصية الشاعر الذي لا ينطق هنا بلسانه فقط، بل بلسان كل رجل.



7 – وكما أنّ للجمال بؤراً فللقبح بؤر أيضاً. واكتشاف بؤر القبح لا يقلّ أهمية عن اكتشاف بؤر الجمال في عمل الناقد. وأخصّ تحديداً بؤر القبح لدى الشعراء الكبار، فليس تتبّع رديء الشعر من عمل النقّاد. ولا تحطّ بؤر القبح القليلة من قدر الشاعر المجيد أو الكبير، وسأذكر على سبيل المثال ما أراه قبحاً في هذه القصيدة من ديوان (كتاب الحب) لنزار قباني:

 محفورة أنت على وجه يدي

 كأسطر كوفيّة على جدار مسجد

 محفورة في خشب الكرسيّ يا حبيبتي وفي ذراع المقعد

 وكلما حاولتِ أن تبتعدي دقيقة واحدة

 أراك في جوف يدي

في هذه القصيدة ثلاث بؤر قبح، الأولى هي كلمة (وجه) فهي كلمة زائدة، أقرب إلى أن تكون حشواً اقتضاه الوزن. والثانية هي عبارة (دقيقة واحدة)، فهي عبارة لا فائدة فيها، لأن منطق القصيدة يوحي بأن البعد هو المقصود، وليس زمن البعد، أمّا بؤرة القبح الفاقعة فهي كلمة (جوف) في العبارة الأخيرة، لفظاً ومنطقاً. فإذا كانت الحبيبة محفورة على وجه يده في العبارة الأولى، فلا حاجة لتجويف يده في العبارة الأخيرة كي يراها.



أخيراً، لعلّي استطعت أن أوضّح وجهة نظري في تلمّس البؤرة الجمالية في النصّ الشعري، سواء أ كان بيتاً أم مقطعاً أم قصيدة، وأن أعرض أيضاً وجهة نظري التي أميل فيها إلى الرأي القائل إنّ التذوّق هو أساس النقد، وإنه موهبة، بل نعمة تجود بها الحياة على من يصقلونها بالثقافة والتجربة فيصبحون نقاداً. 



ليست هناك تعليقات