حَرْبٌ ... بقلم: فريد غانم
يمامَةٌ مُبرقشةٌ بالأسوَدِ، يطيرُ بياضُها من رأسي كُلَّما أفاقَتِ الحَربُ؛
صوتٌ يسقطُ من نافذةٍ مُحملِقَةٍ في الفراغ المُكتظِّ بالهَشاشةِ والتَّفاهاتِ، وينكسِرُ على الشَّارع المَصدوع. صدأٌ يتعمشقُ على أشجارِ حَديقةٍ راحَت تُرخي شَعْرَها وتدلقُ أصباغَها وتبيعُ ماءَها وهواءَها على قارعةِ الطّريق. شتلَةُ نعناعٍ تسيلُ لُعابًا أخضرَ في البالوعةِ. جِمَالٌ تحمِلُ ماءً ومِلْحًا وحماسةً قبليَّةً وتنفُقُ في آخر الصّحراء، من شدَّةِ العطَشِ والجَعير. حُزَمُ أوراقٍ النّقدِ المقدّسةِ تصعدُ بلا رائحةٍ نحوَ الحَلَقةِ الديجيتاليّة، في لولَبةٍ عمرُها في عُمْرِ خنجرِ قابيل. ملائكةٌ يوزِّعونَ الرَّسائلَ في سوقِ البُورصا. وحِمَارٌ لا مُبَالٍ ينهشُ كُتُبَ التّاريخِ التي يحملُها، منذُ جفَّ الطّوفانُ، فوقَ رَسْمِ الصَّليب.
ثمَّ، فيما يواصلُ النّهْرُ الجُحُودَ ونسيانَ الظِّلالِ الّتي مرَّتْ بِهِ، ويضَعُ الصَّدَأُ لمستَهُ الأخيرةَ على خارطةِ العَودَةِ إلى العَدَمِ، يخرجُ طفلٌ من جِلدِهِ المُحروقِ ويلملمُ بسمتَهُ التي وقعَت سهْوًا تحت الأحذيةِ المستعجلةِ في آخرِ حربٍ. فتحطُّ الحمامةُ المبرقشةُ وتبِيضُ في ماسورةِ مدفَعٍ معطُوب.
ثمَّ،
تفيقُ الحربُ،
مرَّةً أخرى

ليست هناك تعليقات